الجصاص
279
أحكام القرآن
والله لأغزون قريشا ! " ثم سكت ساعة فقال : " إن شاء الله " فقد استثنى بعد السكوت . قيل له : رواه شريك عن سماك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " والله لأغزون قريشا ! " ثلاثا ، ثم قال في آخرهن : " إن شاء الله " فأخبر أنه استثنى في آخرهن ، وذلك يقتضي اتصاله باليمين ، وهو أولى لما ذكرنا . وفي هذا الخبر دلالة أيضا على أنه إذا حلف بأيمان كثيرة ثم استثنى في آخرهن كان الاستثناء راجعا إلى الجميع . واحتج ابن عباس ومن تابعه في إجازة الاستثناء متراخيا عن اليمين بقوله تعالى : ( ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت ) فتأولوا قوله : ( واذكر ربك إذا نسيت ) على الاستثناء وهذا غير واجب ، لأن قوله تعالى : ( واذكر ربك إذا نسيت ) يصح أن يكون كلاما مبتدأ مستقلا بنفسه من غير تضمين له بما قبله ، وغير جائز فيما كان هذا سبيله تضمينه بغيره . وقد روى ثابت عن عكرمة في قوله تعالى : ( واذكر ربك إذا نسيت ) قال : " إذا غضبت " ، فثبت بذلك أنه إنما أراد الأمر بذكر الله تعالى وأن يفزع إليه عند السهو والغفلة ، وقد روي في التفسير أن قوله تعالى : ( ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله ) : إنما نزل فيما سألت قريش عن قصة أصحاب الكهف وذي القرنين ، فقال : " سأخبركم " فأبطأ عنه جبريل عليهما السلام أياما ، ثم أتاه يخبرهم ، وأمره الله تعالى بعد ذلك بأن لا يطلق القول على فعل يفعله في المستقبل إلا مقرونا بذكر مشيئة الله تعالى . وفي نحو ذلك ما روى هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قال سليمان بن داود : والله لأطوفن الليلة على مائة امرأة فتلد كل امرأة منهن غلاما يضرب بالسيف في سبيل الله ، ولم يقل إن شاء الله ، فلم تلد منهن إلا واحدة ولدت نصف انسان " . قوله تعالى : ( ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا ) . روي عن قتادة أن هذا حكاية عن قول اليهود ، لأنه قال : ( قل الله أعلم بما لبثوا ) . وقال مجاهد والضحاك وعبيد بن عمير : " إنه إخبار من الله تعالى بأن هذا كانت مدة لبثهم ، ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم : قل إن حاجك أهل الكتاب الله أعلم بما لبثوا " . وقيل فيه : " الله أعلم بما لبثوا إلى الوقت الذي نزل فيه القرآن بهذا " . وقيل : " قل الله أعلم بما لبثوا إلى أن ماتوا " . فأما قول قتادة فليس بظاهر ، لأنه لا يجوز صرف أخبار الله إلى أنه حكاية عن غيره إلا بدليل ، ولأنه يوجب أن يكون بيان مدة لبثهم غير مذكور في الكتاب ، مع العلم بأن الله قد أراد منا الاعتبار والاستدلال به على عجيب قدرة الله تعالى ونفاذ مشيئته . قوله تعالى : ( ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله ) . قيل في ( ما شاء الله ) وجهان ، أحدهما : " ما شاء الله كان " فحذف ، كقوله تعالى : ( فإن استطعت أن